الانتماء والهُويَّة | تعريف الانتماء | الانتماء للوطن

 الانتماء والهُويَّة | تعريف الانتماء | الانتماء للوطن

                                                                 الانتماء والهُويَّة

 

       إنَّ الانتماء يعني أن ينتمي الإنسان وينتسب ويرتبط ويرجع إلي مَن يُذكرّه بكل خير ٍويعينه عليه وينهاه عن أيّ شرّ ويمنعه منه ، فينطلق في الحياة بهذه التذكرة وبهذا الانتساب وبهذا الارتباط وبهذه المرجعية ، أي بهذا الانتماء ، بأقوي وأفضل وأكمل صورة ٍللانطلاق ، وبازدياد ٍونمُوّ ٍمستمرّ ودائم ، فيسعد فيها أتمّ سعادة ، عقليا وفكريا ومشاعريا وجسديا ، ثم أعظم وأخلد وأدْوَمَ في آخرته … وهذا هو ما يتفق مع أصل الانتماء لغويا حيث هو من مادة نما نُمُوَّا .. وهو يُقارب أو يُساوي معني الهُويَّة ، أي بطاقة التعريف الشخصية ، أي مَن هو ؟ سواء أنا أم مَن حولي ، مَن يكون وما أصله وما مرجعياته ؟

 

       إنَّ صفة الانتماء فطرية ، وضعها خالق الإنسان سبحانه فيه ضمن صفاته الحسنة ، لمصلحته ولسعادته ، ليظل متواصلا معه ، كالحبل السّرِّي بين الجنين وأمه – ولله المثل الأعلي وليس كمثله شيء – يُغذيه ويُنمِّيه ويُسعده ! وبدونه يشقيَ و يَنهار ويَهلك .. يقول الإمام حقي في تفسيره لقوله تعالي : ” ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ” ( ق : 50 ) : ” .. يُشير به إلي أنه تعالي أقرب إلي العبد من نفس العبد إلي العبد ، فكما أنه في كل وقت يطلب نفسه يجدها لأنها قريبة منه فكذلك كل وقت يطلب ربه يجده لأنه قريب منه .. ” ، ويقول الإمام القشيري في تفسيرها : ” … روْح وسكون وُأنْس قلب .. ” .. فليعتبر بذلك ،وليُحسن استخدام هذه الصفة حتي يُنَمِّيها ويُرَبِّيها ، ليستمرّ هكذا مرتبطا ًبربه وبمَن حوله وليس انفراديا ، وإلا ضعفَ وضمرَ وهلكَ وتعس .. في دنياه وأخراه  

 

يتبع : تعريف الانتماء | الانتماء للوطن

 

       فالإنسان ينتمي أولا إلي الله ، خالقه ومُرَبِّيه ورازقه ومُعينه وُمَوّفقه ، وهو أشرف وأقوي وأضمن وأسعد انتماء وانتساب ٍوإضافة ٍوارتباط ٍومَرْجع ، وهو بهذه المرجعية ، ولو استمرَّ مُحافِظا ًعليها ، هو دائم الأمان والاطمئنان والشرف والجلال والعظمة والعُلوّ والتكريم والهناء والاستقرار والسعادة ، كما يُفهَم من قوله تعالي : ” ونفخت فيه من روحي ” ( ص : 72 ) والذي قال في تفسيره الإمام ابن عطية في ” المحرر الوجيز ” : ” هي إضافة ملك إلي مالك ، لأنّ الأرواح كلها هي ملك لله تعالي ، وأضافه إلي نفسه تشريفا .. ” ، وجاء في ” تيسير التفسير ” للقطان ( الحجر : 29 ) : ” .. هذه النفخة العلوية … تَصِلُه بالملأ الأعلي وتجعله أهلا للاتصال بالله .. ” ، وقال الإمام ابن عجيبة في ” البحر المديد ” عند تفسيره لقوله تعالي : ” .. خلقت بيديّ ” ( ص : 75 ) : ” .. لإبراز كمال الاعتناء بخلقه عليه السلام المُسْتدعِي لإجلاله وإعظامه .. ”

 

       بينما إنْ قطعَ هذا الحبل ، بأنْ كفرَ مثلا بخالقه ، أو أساءَ التعامُل معه ، أو أهمل تشريعه ونظامه ، أصابه العكس ، القلق والتوتر والشقاء والتعاسة ، وكثيرا أو غالبا ما يُصيب غيره بها بمُعايَشتهم ، كما يقول الأستاذ سيد قطب في تفسيره ” في ظلال القرآن ” في تفسير الآية الكريمة السابقة ( ص : 72 ) : ” … إنه بهذا السرّ كريم ، فإذا تخليّ عنه أو انفصم منه ارتدَّ إلي أصله الزهيد .. من طين ! ”  

 

يتبع : تعريف الانتماء | الانتماء للوطن

 

       ثمّ ينتمي الإنسان ثانيا للأرض التي يعيش عليها ، فيُحبّها ، حيث هي بَعْدَ ربه مصدر تغذيته وتنميته وعمله وكسبه … وسعادته بكل ذلك ، كما يُفهَم من قوله تعالي : ” منها خلقناكم ” ( طه : 55 ) والذي قال فيه الإمام الرازي في تفسيره : ” … إنَّ الله تعالي عَدَّدَ في هذه الآيات منافع الأرض … وهي أصلهم الذي منه يتفرّعون .. ”

 

       ثمّ ينتمي ثالثا للبشر الذين يعيشون معه وحوله ، فالكل آدميون ، ينتمون وينتسبون وينتهون ويرجعون إلي أبيهم آدم ، يسعدون سويا بحياتهم وبحبهم فيما بينهم ، بإنسانيتهم ( وأصل معني كلمة ” إنسان ” في اللغة هو من باب ” َأنِسَ ” ، أي من الأنْس والتلاطف وإزالة الوحشة والفرح ) ، كما يُفهَم من قوله تعالي : ” يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ً.. ” ( النساء : 1 ) والذي قال فيه الإمام السعدي في تفسيره : ” .. ليناسبها فيسكن إليها وتتمّ بذلك النعمة ويحصل السرور … وفي الإخبار بأنه خلقهم من نفس واحدة وأنه بثهم في أقطار الأرض مع رجوعهم إلي أصل ٍواحد ٍليعطف بعضهم علي بعض ويَرقّ بعضهم علي بعض .. ” ، ويؤكده قول الرسول (ص) في بعض خُطبه : ” يأيها الناس : ألا إنَّ ربكم واحد وإنَّ أباكم واحد .. ” ( جزء من حديث رواه أحمد )

 

       ثمّ رابعا ينتمي ويرجع عقليا وفكريا للنظام وللتشريع الذي وضعه خالق الأرض لها ، لدين الإسلام ( ولرسله ولأخلاقهم وهم الذين أتوا به علي مَرّ العصور متدرجا حتي اكتمل وهم َأمْيَز وأشمل وأسعد قدوة عملية تُتَّبَع ) ، ليكون أعظم وأتمّ وأنسب نظام ٍيُسعدها السعادة التامَّة ، ببساطة – وعُمْق – لأنه هو الذي خلقها وهو الأعلم بما يُصلحها ويُسعدها من أنظمة ! كما يُفهَم من قوله تعالي : ” ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهديً ورحمة ًوبُشرَيَ للمسلمين ” ( النحل : 89 ) ، فالهدي والرحمة والبشري هي بالتأكيد السعادة الكاملة والأمان التامّ

 

يتبع : تعريف الانتماء | الانتماء للوطن

 

       إنَّ الانتماء الفكري والرجوع لنظام الإسلام يُفهَم ضمنا من قوله تعالي : ” هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سمَّاكم المسلمين من قبل ” ( الحج : 78 ) ، ومَن يتمسك به وبهذا الانتماء يأمَن ويَسعد في حياته وآخرته ، ويُضفي تلقائيا أمنا وسعادة علي كل مَن يَتعايَِِِِشَ معهم ، كما جاء في تفسير ” المنتخب ” : ” .. اختاركم .. جعلكم أمة وسطا .. يَسَّرَ عليكم .. فالزموا دين أبيكم ابراهيم في مبادئه وُأسُسه ، وهو سبحانه الذي سمَّاكم المسلمين في الكتب المُنزلة السابقة وبإذعانكم لِمَا شرعه الله لكم تكونون كما سمَّاكم الله … فتسعدوا .. ”

 

       أمَّا مَنْ لا ينتمي إليه أويُفرّط فيه ، جزئيا بتقصيره ، أو كُليّا بالكفر به ، يتوتَّر ويَتعس فيهما ، كما يقول تعالي : ” ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشة ضنكا ” ( طه : 124 ) ، ويقول : ” فأمَّا الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ” ( آل عمران : 56 ) .. وقد يَسْري تأثيره لِمَن حوله إنْ لم ينصحوه بالحسني ، كما يُثبت الواقع ذلك ، وكما يُفهَم من قوله (ص) في الحديث المعروف : ” إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامِل المسك ونافخ الكير ، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة ، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة ” ( رواه البخاري ومسلم )

 

يتبع : تعريف الانتماء | الانتماء للوطن

 

        … ثمّ يبدأ بعد ذلك ، بعد هذا الانتماء العام ، لله وللأرض وللإنسانية وللدين ، يبدأ بعض التخصيص تدريجيا ، فتبدأ درجات من الانتماء الخاص ، لمزيد ٍمن القرُبْ ِوالتواصُل والتجانس والتلاحُم ، فتزداد وتنصهر وتكتمل العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان ، بل بينه وبين غيره من جميع المخلوقات ، فتزداد المشاعر الجميلة والتي ينبني عليها المنافع الكثيرة ، وتعُمّ بالتالي السعادات

 

       فينتمي الإنسان بعدها لدولته ووطنه ، لمساحته الجغرافية التي يحيا بها واتفق مجموعة من البشر علي تسميتها باسم ٍما وجَعْل نظام ٍلها لا يتعارض مع الأسُس والنظم والأخلاقيات العامَّة لعموم الإنسانية والتي علمّها خالقها لخلقه منذ خلق أبيهم الأول آدم كما يُفهَم من قوله تعالي : ” وعلمَّ آدم الأسماء كلها ” ( البقرة : 31 ) .. فهذا الانتماء لها ولِمَن يعيشون عليها والذين لهم ذات الأهداف والأعمال والأرباح المُتقاربَة ويتعاونون فيها ، يزيده ويزيدهم حبَّا لها وانتفاعا ًبها فيما بينهم وسعادة فيها ، فيزدادون فكرا وعملا وكسبا وربحا ، ويزدادون حبَّا والتحاما ، ويزدادون بالتالي هناء ً..

 

       وهذا هو ما يُفهَم ضمنا من قول ابن عباس رضي الله عنهما : لمَّا خرج رسول الله (ص) من مكة تلقاء الغار نظر إلي مكة قال : ” أنت أحب بلاد الله إليّ .. ” ( جزء من حديث رواه أبو يعلي ) ، ومِمَّا جاء في السيرة النبوية لابن كثير عند حديثه عن غزوة أحُد : ” .. وفي الصحيح قال (ص) : ” : أحُد جبل نحبّه ويحبّنا ” .. قيل : معناه أهله .. وقيل : علي ظاهره .. ” ، ومن قول الإمام ابن حجر العسقلاني في ” فتح الباري ” عند شرحه لقول النبي (ص) هذا : ” .. وذلك فِعْل مَن يُحبّ بمَن يحبّه .. ” ، ومن دعائه (ص) لبلده وأهلها وبركتها وبركتهم لتسعد ويَسعدون : ” .. اللهمّ بارك لنا في مدينتنا ، اللهم بارك لنا في صاعنا ، اللهم بارك لنا في مُدِّنا ، اللهم اجعل مع البركة بركتين .. ” ( جزء من حديث رواه مسلم )

 

يتبع : تعريف الانتماء | الانتماء للوطن

 

       ثمّ يكون بعد الانتماء للوطن وللدولة ومُدُنِها ، الانتماء للعائلة ، ذات الصلات والدماء المُتقاربَة من أرحام ٍوأنساب ٍوأصهار ، حيث التحام أفرادها له مذاقه السعيد ، لأنهم سيُشكلّون كتلة ًبشرية ًمُتقاربَة ، بينها التراحُم والحب والتعاون والتكاتُف ، في الحوار والعلم والعمل والإنتاج والأفراح والأحزان ونحوها .. فيَنمون أكثر ، ويُنتجون أكثر ، ويَربحون أكثر ، ويتلاحمون أكثر .. فيَسعدون أكثر … في الداريْن

 

       وهذا هو ما يُفهَم من قوله (ص) المعروف : ” مَن أحبَّ أن يُبسَط له في رزقه وأن يُنسَأ له في أثره فليصل رحمه ”

( رواه البخاري ومسلم ) ، ومن قوله في الحديث القدسي : ” قال الله عز وجل : أنا الله وأنا الرحمن ، خلقتُ الرحم وشققتُ لها اسما من إسمي ، فمَن وصلها وصلته ومَن قطعها قطعته ” أو قال ” بَتتّه ” ( رواه الترمذي وأبو داود ) والذي قال فيه الإمام العيني في ” عمدة القاري ” : ” .. والمعني أنها أثر من آثار الرحمة مشتبكة بها فالقاطِع لها مُنقطع من رحمة الله .. ” ، ومن قوله (ص) : ” إنَّ أعجل الطاعة ثوابا صلة الرحم حتي إنَّ أهل البيت ليكونوا فجَرَة فتنموا أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصَلوا وما مِن أهل بيت ٍمتواصلون فيحتاجون ” ( رواه ابن حبَّان في صحيحه )

 

       … ثمّ تضيق دائرة الانتماء أكثر ، لمزيد ٍمن الانصهار ، فيكون الانتماء للأسرة ، حيث الودّ والرحمة والسكينة والتكامُل والتعاون والتسامح والتصافِي والانطلاق والإنتاج والربح ، بين الآباء والأمهات والأبناء ، كما يُفهَم من قوله تعالي : ” وجعل بينكم مودة ورحمة ” ( الروم : 30 )

 

يتبع : تعريف الانتماء | الانتماء للوطن

 

       ثمّ تضيق الدائرة أكثر فأكثر ، حيث الانتماء للنفس ، بمعني الرجوع إليها والاهتمام بها وإصلاح حالها ومحاولة تحقيق كمالها ونفعها وإسعادها ، كما يُفهَم ضمنا من قوله تعالي : ” عليكم أنفسكم ” ( المائدة : 105 ) والذي قال فيه الإمام أبو السعود في تفسيره : ” .. أي الزموا أمر أنفسكم وإصلاحها ، وُقريءَ بالرفع علي الابتداء أي واجبة عليكم أنفسكم .. ” ، ومن قوله (ص) : ” ابدأ بنفسك فتصدَّق عليها .. ” ( جزء من حديث رواه مسلم ) والذي قال فيه الإمام النووي في ” شرح مسلم ” : ” .. في هذا الحديث فوائد : منها الابتداء في النفقة بالمذكور علي هذا الترتيب ، ومنها أنَّ الحقوق والفضائل إذا تزاحَمَت ُقدِّمَ الأوْكدَ فالأوْكد .. ” ، وكما يُفهَم أيضا من قوله (ص) في حديثه المعروف : ” المؤمن القوي خيرٌ وأحبّ إلي الله من المؤمن الضعيف ، وفي كلّ ٍخير ، احرص علي ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز .. ” ( جزء من حديث رواه مسلم ) والذي جاء في شرحه في ” شرح كتاب التوحيد ” : ” … قال الإمام ابن القيِّم : سعادة الإنسان في حرصه علي ما ينفعه في معاشه ومعاده .. ”

 

       إنَّ الانتماء للذات هو أوَّل نقطة ٍللانطلاق الصحيح المُسْعِد بالحياة ، وإذا صلح انصلح كل أنواع الانتماء بعدها ، وإذا فسد فسدوا .. لأنه ليس من المقبول ، لا عقلا ًولا منطقا ًولا فطرة ً، ولا شرعا بالأدلة السابق ذكرها ، أن يكون انتماء الإنسان لذاته ضعيفا أو منعدما ثمَّ يتمكن بعد ذلك أن ينتميَ لأسرته أو لعائلته أو لجيرانه أو لبلدته أو لدولته أو لأرضه أو لإنسانيته ! إذ بالعقل والمنطق والفطرة فإنَّ الانتماء يكون دائما للأقرب ثمّ للأبعد ! فهذا هو الانتماء الفطريّ الطبيعيّ التدرجيّ المنطقيّ العقليّ المقبول ، أمَّا الانتماء للأبعد قبل الأقرب فقد يشوبه شبهة عدم الصدق وعدم الاستمرارية لأنه مُخالِفٌ للفطرة وللعقل وللمنطق وغالبا ما يكون ثقيلا علي النفس لا يُمكنها أن تكون مستمرّة أو صادقة فيه !! ( برجاء مراجعة أيضا مقالة : ” النفس بين الأخذ والعطاء ” لمزيد ٍمن التفصيل والتوضيح )

 

       ويؤكد هذا – إضافة ًإلي ما سبق ذكره من أدلة – بعض ما يُفهَم من الترتيب المنطقيّ للاهتمام وللانتماء في قوله تعالي : ” يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ..” ( التحريم : 6 ) والذي قال فيه الإمام القشيري في تفسيره : ” .. ودّلت الآية علي وجوب الأمر بالمعروف في الدين للأقرب فالأقرب .. ” ، وما يُفهَم أيضا من قوله (ص) : ” ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ”

( صححه الألباني ) والذي قال فيه الإمام السيوطي في ” شرح سنن النسائي ” في معرض شرحه لحديث : ” .. وجُعِلت ُقرَّة عيني في الصلاة ” : ” .. وأوْليَ الخلق بالشفقة إلي كل واحد ٍمن الناس ، نفسه وبدنه .. ”

 

يتبع : تعريف الانتماء | الانتماء للوطن

 

       … إنَّ كلَّ نوع ٍمن هذه الانتماءات لا يتعارَض مع الآخر أو يُضادّه ! بل هو مُكمِّل ٌله ومُتمِمّ ، ليتحقق أكمل تعاون ، ويتحقق للبشرية الكمال ، فتتحقق أكمل سعادة .. في الدنيا والآخرة

 

       فحُسْن الانتماء للذات هو الأصل الخيريّ الذي يُمَهِّد لكل انتماء ٍخيريّ ٍآخر ،  فمَن اهتمَّ بنفسه ونفعَها وأسعدها كاملا ، أضفيَ تلقائيا وبأقل مجهود ٍنفعا ًوسعادة ًعلي أسرته ثم عائلته ثم جيرانه وزملائه وأصدقائه ثم بلدته ثم وطنه ودولته ثم أمَّته ثم للأبْعَد فالأبعد حتي تسعَدَ الأرض كلها وكلّ مَن عليها … والعكسُ صحيحٌ بكل تأكيد !

 

       أمَّا إنْ تعارَضت هذه الانتماءات ، بسبب قطع الصِلة بأهمّ وأقوي وأفضل انتماء ، وهو الانتماء لله تعالي ، أو قطعها مع الدين أو النفس أو الأسرة أو العائلة أو الجيرة أو الزمالة أو الصداقة أو البلدة أو الدولة أو الأمَّة أو الأرض ، بسبب سوء العلاقة بين العقل وأيّ ٍمنها ، بسبب جهل ٍأو تفكير ٍشرّيّ ٍأو مخالَفة ٍلوصايا الخالق بتعاون ٍعلي إثم ٍأوعدوان ٍرغم تحذيره وقوله : ” وتعاونوا علي البر والتقوي ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان ” ( المائدة : 2 ) ، أو بسبب تعصّب ٍفي غير حقّ ٍولِمَا هو باطل علي عكس وصية الرسول (ص) : ” ليس منا مَن دعا إلي عَصَبيَّة ، وليس منا من قاتل عصبية ً، وليس منا مَن مات علي عصبية ” ( رواه أبو داود ) ، أو بمحو عدل ٍونشر ظلم ٍوالله تعالي يؤكد ” .. اعدلوا .. ” ( المائدة : 8 ) ، أو بتخريب إحسان ٍوإتقان ٍوتعميم إفساد ٍوربنا يقول ناهيا : ” ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ”

( الأعراف : 85 ) ، أو بما شابَهَ هذا من الشرور والسيئات … عَمَّ حينئذ ٍالتباغض والتباعُد والتشاحُن والتناحُر وحتي التقاتل .. وهلك الجميع .. وشقوا وتعسوا

 

       فأحْسِن أيها الداعي إلي الله والإسلام ترتيب انتماءاتك ، لربك ثم لدينك ثم لنفسك ثم لأسرتك ثم لعائلتك ثم لجيرانك ثم لزملائك وأصدقائك ثم لبلدتك ووطنك ثم لدولتك ثم لأمّتك ثم لأرضك كلها بكل مخلوقاتها .. وأحْسِن جَعْلها مُتكامِلة مُتعاونة لا مُتعارضة مُتصارعَة .. وأحْسِن دعوة غيرك لمثل ذلك وتربيتهم عليه بالحسني منذ صغرهم في بيوتهم وأماكن تجمعهم … َتسعَد ويَسعدون .. وتُثاب ويُثابون .. في دنياكم وأخراكم

 

 

 

 

 

 

 

    

 

 

 

 

 

 

 

Share

التعليقات مغلقة.