بين خُلق التغاُفل وخُلق الانضباط | فن التغافل | فن التعامل مع الاخرين

بين خُلق التغاُفل وخُلق الانضباط  | فن التغافل | فن التعامل مع الاخرين          

                                           بين ُخلق التغاُفل وُخلق الانضباط

 

فن التغافل | فن التعامل مع الاخرين

 

       إنَّ خلق التغافل مُنْسِيّ ٌبيننا رغم أنه ُخلقٌ مُريح مُسْعِد ! ورغم أنَّ ربنا قد أوصانا به كثيرا لفوائده المُسْعِدَة ! فيقول تعالي علي سبيل المثال لا الحصر ممتدحا إياه : ” خذ العفو وأمر بالعُرْف وأعرض عن الجاهلين ” ( الأعراف : 199 )

 

       يقول الإمام السعدي في تفسيره للآية الكريمة : ” .. هذه الآية جامعة لحُسْن الخلق مع الناس .. أن يأخذ العفو : أي ما سَمَحَت به أنفسهم وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق ، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم ، بل يشكر من كلّ أحد ٍما قابله به من قول ٍأو فعل ٍجميل ٍأو ما هو دون ذلك ، ويتجاوز عن تقصيرهم ويغضّ طرفه عن نقصهم .. بل يُعامِل الجميع باللطف والمقابَلة بما تقتضيه الحال وتنشرح له صدورهم . ( وأمُر بالعرف ) أي بكل قول ٍحسن ٍوفعل ٍجميل ٍوُخلق ٍكامل ٍللقريب والبعيد … وأمَرَ الله تعالي أن يُقابَل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله ، فمن آذاك بقوله أو فعله لا تؤذه ومَن حرمك لا تحرمه ومن قطعك فصِله ومن ظلمك فاعدِل فيه .. ”

 

       ويقول الإمام البغوي في تفسيره : ” .. مثل قبول الاعتذار والعفو والمُساهَلة وترك البحث عن الأشياء ونحو ذلك .. “

 

يتبع : فن التغافل | فن التعامل مع الاخرين

 

       ولقد فعله الرسول (ص) في مواقف كثيرة قد يصعب حصرها ، أو حتي تصوّرها ! لأنه من أسباب السعادة .. فمثلا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتي رجل النبي (ص) وهو في المسجد فناداه فقال : يارسول الله إني زنيت ، فأعرض عنه ، حتي رَدَّدَ عليه أربع مرات ، فلمَّا شهد علي نفسه أربع شهادات ، دعاه النبي (ص) فقال : ” أبك جنون ؟! ” ، قال : لا ، قال : ” فهل ُأحصِنت ؟ ” ، قال : نعم ، فقال النبي (ص) : ” اذهبوا به فارجموه ” ( رواه البخاري )

 

       وفي رواية ٍعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لمَّا أتيَ ماعز ابن مالك إلي النبي (ص) قال له : ” لعلك قبَّلتَ أو غمزتَ أو نظرتَ ؟ ” قال : لا يارسول الله . ( رواه البخاري )

 

       وفي رواية : ” … فذكروا لرسول الله (ص) أنه فرَّ حين وجد مسَّ الحجارة ومس الموت ، فقال رسول الله (ص) : ” هَّلا تركتموه ” ( رواه الترمذي )

 

       وفي رواية عن هزَّال رضي الله عنه والذي أوصي ماعز برفع أمره للرسول (ص) لعله يجد له مخرجا وليتوب ولم يكن يعلم بوجوب قيام الحاكم بإقامة الحد ما دام قد بلغه منعا للتسيّب ، قال له (ص) : ” يا هزَّال : لو سترته بثوبك كان خيرا لك ممَّا صنعت ” !! ( رواه البيهقي وغيره )

 

       قال الإمام ابن حجر العسقلاني في ” فتح الباري ” : ” … قال عياض : فائدة سؤاله : ” أبك جنون ” سترا ًلحاله .. ”

 

       وقال الإمام ابن عبد البر في ” الاستذكار ” شارحا حديث هزَّال : ” … في هذا الحديث من الفقه أنَّ … إعراض الرسول (ص) عنه حين أقرَّ علي نفسه بالزنا ، حتي أكثرَ عليه ، كان – والله أعلم – رجاء ألا َّيتمادَيَ في الإقرار وأن ينتبه ويرعوي ثم ينصرف ويعقد التوبة ممَّا وقع فيه .. “

 

يتبع : فن التغافل | فن التعامل مع الاخرين

 

       فالرسول (ص) يتغافل حتي عن الزاني !! ليستر نفسه ويُصلحها هو بذاته ، فإنَّ ذلك أقوي العلاج وأضمنه وأعظمه نتيجة وأكثره استمرارية ، من داخله ، وباختياره بعد اقتناعه ، لا بالضغط عليه من خارجه ، حتي إذا زال هذا الضغط عادَ لفساده !  

 

       بل الرسول (ص) من شدة حبه للستر وللتغاضِي وللتغافل ، لفوائده المُسْعِدَة ، بعد إعراضه عن المُسيء الذي أقرَّ هو بإساءته الكبيرة ، لم يَلمْه أو يعاتبه ! بل خففّ عنه وهَوَّنَ عليه ! ليس دعوة ًبكل تأكيد ٍللاسترسال في إساءاته ! وإنما لكي يُعينه بالطبع علي أن يجد مخرجا للإصلاح ووسيلة للعلاج ، لأنَّ العقوبة في الإسلام إذا تمَّ تنفيذها مع مَن يستحقها دون عفو عنه هي من أجل التطهير والتصويب والاعتبار لا الانتقام ! فيقول له مثلا : ” أبك جنون ؟ ” حتي نعالجه ولا تُعاقَبَ ! أو يقول : ” لعلك قبَّلتَ أو غمزتَ أو نظرت ؟ ” ! فالأمر إذن هيِّن يمكنك علاجه وتجاوزه بإرادتك وبعون الله لك حينما تريد وتبدأ في اتخاذ أسباب الشفاء … كل ذلك حتي يتخلص الذي أساء سريعا من مرارات إساءاته ويعود للصواب فتكتمل سعاداته هو ومن حوله ، والمجتمع كله لو فعل مثله   

 

       فإذا كان (ص) يتغافل حتي عن مرتكب الكبيرة ! أفلا نفعل فِعله ؟! أو حتي نتغافل عن مرتكب الصغيرة ! ليكون ذلك عونا لهما ليعودا للصواب ! .. فما بالنا إذا لم يكن الأمر إثما أصلا !! وإنما كان رأيا ًآخر أو وجهة نظر ٍأخري ! أفلا نقبلها ؟! .. ليسعد الجميع ، ولا يتشاحنون ولا يتشاجرون ولا يتناحرون .. ويتعسون !!  

 

يتبع : فن التغافل | فن التعامل مع الاخرين

 

       إنَّ خلق التغاُفل يعني غضّ النظر والتجاوُز والتسامُح عن بعض الأخطاء والسلبيات ، فلا تدقيق وتحليل وترصّد للسوء في كل كلمة ٍوأي تصرّف ، كما يقول تعالي موصيا ومنبّها لخُلق ٍكريم ٍمن أخلاق الرسول (ص) لنقتدي به ونفعل مثله : ” .. وأعْرَضَ عن بعض .. ” ( التحريم : 3 ) والذي قال فيه الإمام الآلوسي في تفسيره : ” … دلالة علي أنه يَحْسُن … التلطفّ في العَتَب والإعراض عن استقصاء الذنب .. ” ، وليس هذا بالتأكيد تسطيحا للأمور وتبسيطا ! وإنما هو في عُمْقها وصَميمها !  لأنه يُعطِي فرصة للمُخطِيء لكي يُصَوِّبَ هو نفسه بنفسه ، بعقله وإرادته ، فيكون هذا أستر له بعدم فضحه أو تغيير صورته الجيدة لدي الآخرين وأكثر تشجيعا للتقويم ، فيسعد الجميع ، المُخطِيء بالتصحيح ، ومَنْ حوله بإحسانه وبألا َّيفعلوا خطأه ، كما يُفهَم ضمنا من قوله (ص) : ” .. ومَنْ سَتَرَ مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة .. ” ( جزء من حديث رواه البخاري ) ، ومن قوله : ” إنَّ الله رفيق يحب الرفق ويُعطي علي الرفق ما لا يُعطي علي العنف وما لا يُعطِي علي سواه ” ( رواه مسلم )  

 

       بينما الوقوف عند كل خطأ ، والتدقيق في تفاصيله ، بل والبحث أحيانا عن سوء ِظنّ ٍبه أو حتي ترجمته لتجسّس ٍله ، يُوَتِّرَ الأمور ويُتعِسها ، ويشغل العقول والأفكار والمشاعر بداخلها عمَّا هو أجود وأنفع ، ويمنع الابتكار والإبداع والتطوّر ، لأنَّ الكلَّ يخشي الإقدام لكيلا يُخطِيء فيكون مصيره المُساءلة والتحقيق والكشف والتعرية ، حتي ولو كان الأمر صغيرا أو تافها ! .. يقول الرسول (ص) مُوَجِّهَا ً: ” إنك إن اتَّبَعتَ عورات المسلمين أفسدتهم أو كدتَ أن تفسدهم ” ( رواه أبو داود ) ، ويقول مُحَذرا وناهيا ًومُحَرِّما : ” إياكم والظنّ فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث ، ولا تحَسََّّسوا ، ولا تجَسَّسوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا .. ” ( رواه البخاري ومسلم ) .. قال الإمام النووي في ” شرح مسلم ” :

” التحسّس بالحاء الاستماع لحديث القوم .. وقيل بالجيم التفتيش عن بواطن الأمور … وقيل هما بمعني ( واحد ) وهو طلب معرفة الأخبار الغائبة والأحوال .. ”

 

يتبع : فن التغافل | فن التعامل مع الاخرين

 

       إنَّ التغاُفل لا يكون مع الجميع .. إنَّه مع المُنضبطين الفاعلين .. كما قال الرسول (ص) في شأن الصحابي الجليل حاطب ابن أبي بلتعة والذي شهد موقعة بدر الكبري والذي أبلغ قريشا بعزم الرسول (ص) فتح مكة مُتأوِّلا ألا ّضرر من ذلك حيث هم يتوقعون هذا فأراد عمر بن الخطاب – رضي الله عن الجميع – أن يضرب عنقه بتهمة الخيانة العظمي ، قال : ” إنَّ الله اّطلعَ علي أهل بدر ٍفقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ” ( رواه أحمد والترمذي وغيرهما ) .. قال الإمام المباركفوري في ” تحفة الأحوذي ” شارحا : ” .. قال القرطبي : وهذا الخطاب قد تضمَّن أنَّ هؤلاء قد حصلت لهم حالة ٌغفِرَت بها ذنوبهم السابقة وتأهلوا أن تُغفرَ لهم ذنوبهم اللاحقة إن وقعت منهم ، وما أحسن قول بعضهم : وإذا الحبيب أتيَ بذنب ٍواحد ٍجاءت محاسنه بألف شفيع ٍ.. ”

 

       فالصحابة الكرام من أهل بدر ، والذين هُم أوّل من استقبل الإسلام وطبَّقه ونشرَه ، هم قِمَمُ وُقدْوات الانضباط ، فلمَّا يُخطِيء أحدهم ، حتي ولو كان خطأ ًكبيرا ، وهو ما قد يحدث علي سبيل الندرة والاستثناء ، يُنظرُ إلي جملة أعماله الفاضلة السابقة الكثيرة ، فيصغر حينئذ هذا الخطأ ويتهاوَيَ ويتلاشيَ ! ويعود المُخطيء للصواب وللخير سريعا حينما يُشجّعه مَن حوله علي نسيان الأمر وبدء صفحة جديدة سعيدة .. وهذا هو ما يُفهَم أيضا من قوله (ص) مؤكدا هذا : ” أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود ” ( رواه أحمد وأبو داود وغيرها )

 

       لكن ، ورغم ذلك ، إذا كان الخطأ فادحا ومؤثرا ، حتي ولو كان من مُنضبط ٍفعَّال ، فإنه يحتاج إلي تقييم ٍللموقف ، فقد يُتغافَل ويُعْفيَ عنه أيضا لعظيم فضله السابق والذي لا يكاد يُظهر معه أيَّ خطأ ٍحتي ولو كان هائلا ، أو قد يُلامُ لوما خفيفا ، أو حتي قد يُعاقب إذا وصل الأمر مثلا لمرحلة الحدود ورَدّ الحقوق ، علي حسب تقدير مَنْ ينظر في الأمر ، كما قال الرسول (ص) مثلا لأبي ذرّ ٍ الغفاريّ حينما خالف ُخلقا إسلاميا أصيلا لمَّا عَيَّر بلالا رضي الله عنهما بأنه ابن السوداء : ” يا أبا ذر : أعَيَّرته بأمه ؟! إنك امرؤ فيك جاهلية .. ” ( جزء من حديث رواه البخاري ) .. قال الإمام ابن حجر في ” فتح الباري ” : ” .. أي خصلة جاهلية ، مع أنَّ منزلة أبي ذرّ من الإيمان في الذروة العالية ، وإنما وَبَّخه بذلك – علي عظيم منزلته عنده – تحذيرا له عن مُعَاوَدَة مثل ذلك ، لأنه وإن كان معذورا بوجه ٍمن وجوه العذر ، لكنَّ وقوع ذلك من مثله يُستعظم أكثر ممَّن هو دونه .. ” .. فعادَ رضي الله عنه مُسرعا وأناب وطلب صفح مَن أساء إليه وعَوَّضه واستمرّ بعدها متمسكا بخلق التواضع

 

يتبع : فن التغافل | فن التعامل مع الاخرين

 

       كذلك يكون التغافل مع الضعفاء المُبتدئين قليلي العمل والإنتاج من أجل تقويتهم وتفعيلهم وتنشيطهم وتشجيعهم لمزيد ٍمن الأعمال ، كما يُفهَم من قوله (ص) : ” … إنما أعطي أقواما لِمَا أري في قلوبهم من الجزع والهلع .. ” ( جزء من حديث رواه البخاري ) ، والذي قال في شرحه الإمام الشوكاني في ” نيل الأوطار ” : ” .. الظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه .. ” ، وقال فيه الإمام المناوي في ” فيض القدير ” : ” .. انَّ البشر جُبلوا علي حب العطاء وبُغض المنع … واستئلاف (( أي طلب الألفة )) مَنْ يُخشيَ جزعه أو يُرْجيَ بسبب إعطائه طاعة … ”

 

       لكنَّ التغافل لا يكون أبدا ًمع المُنفلتين المُلتوين المُفسدين المُصِرِّين المُستمرِّين علي ذلك ! وإلا زادهم بكل تأكيد انفلاتا والتواء ًوفسادا ! بل وشجَّّعَ غيرهم مؤكداً علي الانفلات والالتواء والفساد أيضا ! حينما يرونه ثقافة مُنتشرة ، ظانّين أنها مصدر راحة وسعادة ! رغم أنَّ التسيّب والتراخي هما أصل كل تراجُع ٍوتخلف ٍ! وبالتالي سيكونا سببا كل قلق ٍوتعاسة !

 

       يقول الإمام القاري موضحا هذا في ” مرقاة المفاتيح ” عند شرحه لحديث هزَّال السابق ذكره : ” … وهذا يجب أن يكون بالنسبة إلي مَنْ لم يَعْتد ِالزنا ولم يتهتَّك به ، أمَّا إذا وصل الحال إلي إشاعته والتهتك به بل بعضهم ربما افتخر به ، فيجب كون الشهادة به أوْليَ من تركها ، لأنَّ مطلوب الشارع إخلاء الأرض من المعاصي والفواحش ، بالخطابات المفيدة لذلك ، وذلك يتحقق بالتوبة .. فإذا ظهر الشرَه .. وعدم المبالاة … فيجب تحقق السبب الآخر للإخلاء وهو الحدود ، بخلاف مَنْ زَلَّ مرة أو مرارا مُسْتتِرا مُتخوِّفا مُتندِّما عليه فإنه محلّ استحباب ستر الشاهِد .. ”

 

يتبع : فن التغافل | فن التعامل مع الاخرين

 

       إنَّ المنضبط الفعَّال هو كثير العمل كثير الإنجاز كثير السعادة بهذا وبالربح العائد عليه منه مَنْصِبا ًومكانة ًومالا ًوإرضاء ً لذاته ولربه واستبشارا بانتظار مزيد ٍمن توفيقه الدنيوي وثوابه الأخروي وازدياد ًفي علاقاته الودية المُربحة مع الآخرين .. مثل هذا إن أخطأ ، حتي ولو كان الخطأ بسيطا هيّنا نادرا ، يُحاسِب نفسه أولا بأوّل ، لأنه افتقد ولو جزءا يسيرا من سعادته وراحة باله وأجره في الداريْن ، ولذا فهو يناسبه التعامُل معه بخلق التغافل ، لأنه يكفيه القليل جدا من التلميح دون مواجهة صريحة حتي يتذكر ويعود للصواب ، كما كان يفعل الرسول (ص) مع كل مُنضبط فعَّال

 

       فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ” كان النبي (ص) إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل : ما بال فلان يقول ، ولكن يقول : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ” ( رواه أبو داود ) … قال الإمام الطحاوي في ” بيان مشكل الآثار ” شارحا هذا : ” .. وكان أدبه (ص) أحسن الآداب ، وكان لا يواجه أحدا بشيء يكرهه ، إنما يقول ما يقول مِن هذا المعني خطابا لجماعة حتي يقفَ مَن كان منه ذلك الأمر علي ما كان مِن رسول الله (ص) فيه فيكون ذلك زجرا له عنه .. ”

 

       إنَّ المُنضبط الفعَّال حينما يُخطيء أو يُقصِّر – وكذلك الضعيف المُبتدِيء قليل الخبرات – يحتاج إلي تشجيع لا توبيخ ، مع النصح أو قبله أو بعده ، لأنَّ التشجيع أصل إسلاميّ قرآنيّ ربانيّ نبويّ ، لأنَّ العقل بفطرته يندفع به لاستكمال النقائص لتكتمل صفات الإنسان وبالتالي سعادته بهذه الصفات الحسنة المكتمِلة المجتمِعة ، وقد فعله الرسول (ص) كثيرا ، بل كان كل فعله وأصله تقريبا كذلك ، لأنه هو روح القرآن ، فمثلا يقول لعبد الله ابن عمر رضي الله عنهما مُشجّعا قبل النصيحة : ” نِعْمَ الرجل عبد الله ، لو كان يُصلي من الليل ” ( رواه البخاري ومسلم ) ، ويقول مثلا لمَن كبَّرَ للصلاة مِن أوّل المسجد وركع وظل يمشي حتي وصل للصف حرصا علي إدراك صلاة الجماعة مِن أولها ما أمكن : ” زادك َالله حرصا ، ولا تعُد ” ( رواه البخاري

ومسلم ) .. وغير ذلك من الأمثلة الكثير  

 

يتبع : فن التغافل | فن التعامل مع الاخرين

 

       لقد كان مِن خُلق الرسول (ص) دائما البحث عن الخيرات وإعلانها وستر السوءات وإخفائها ، حتي تظهر وتنتشر الأولي ، وتندثر وتختفي الثانية .. فمثلا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ص) : ” مَنْ أصبح اليوم منكم صائما ؟ ” ، قال أبو بكر : أنا ، قال : ” من عاد منكم اليوم مريضا ؟ ” ، قال أبو بكر : أنا ، قال : ” مَن شهد منكم اليوم جنازة ؟ ” ، قال أبو بكر : أنا ، قال : ” مَن أطعم اليوم مسكينا ؟ ” ، قال أبو بكر : أنا ، قال : ” ما اجتمع هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة ” ( رواه البخاري في الأدب المفرد ) ….. بينما مَنْ جاءه زانيا معترفا ، كما في حديث ماعز الذي سبق ذكره وشرحه ، يقول له : ” لعلك قبَّلتَ ” ! ، ويقول لمَن لم يستره : ” لو سترته بثوبك لكان خيرا .. ” !!

 

       بينما المُنفلِت المُلتوي المُفسِد الذي يتفنن في الانفلات والالتواء والإفساد ويشغل كل فكره وذكائه في كيفية تطويره ونشره ويُصبح خبيرا مُعلما يفيد غيره بخبراته وعلمه فيه وهو يظن أنه يزداد علما وخبرة رغم أنه يزداد تخلفا وتعاسة هو ومَن حوله … مثل هذا لا يحتاج طبعا لخلق التغافل ! وإلا ساد الخلل وعمَّ الانحدار والانهيار والشقاء ! كما يُفهَم ضمنا من قوله (ص) : ” لا ضرر ولا ضرار ” ( رواه أحمد وابن ماجة ) ، ومن قوله مُحَذرا : ” لا يدخل الجنة بخيل ولا خِبّ ولا خائن ولا سيّء الملكة .. ” ( جزء من حديث رواه الترمذي ) ، والخِبّ هو المُخادِع ، كما قيل نقلا عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه :

” لست بالخِبّ ولا يخدعني الخبّ ” ، أي لست مُخادِعا لكن في ذات الوقت لا يستغفلني أحد ! .. فهذا من أخلاق الإسلام وسعاداته

 

       إنَّ هذه النوعية تحتاج إلي العكس ، إلي مزيد ٍمن الانضباط ، كما يُفهَم من كلام الإمام القاري السابق ذكره ( راجعه ) ، مع تذكرته بثوابه ، وتشجيعه بأمثلة عملية مُنضبطة أمامه قد حققت النجاح والسعادة ، ليكون ذلك تصحيحا له وتوجيها لطريقهما ، مع تدريبه التدريجيّ الرفيق علي كيفية الالتزام في كل عمل ٍصغر أم كبُر

 

يتبع : فن التغافل | فن التعامل مع الاخرين

 

       إنَّّه لو انتشر بين الناس عامة وبين المسلمين خاصة التعامُل بخلق التغافل ، مع مَن هو أهله ، إضافة إلي حُسْن الظن به حيث لا أحد يحب الخطأ ويريد تحمّل أعبائه ومراراته بفطرته وبرمجة عقله  ” يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إنَّ بعض الظن إثم .. ” ، مع التماس العذر له وقبول عذره حتي لو تعمّد إذ قد تكون له ظروف نفسية أو عائلية أو مالية أو مهنية أو غيرها دفعته لخطئه ، وعونه ما أمكن علي تجاوزها وعلاجها ، واستصحاب خُلق التغافر والذي هو مُتمِّم لخُلق التغافل والذي يعني أنه لو ظهر سوءٌ ما بعد التغاضِي فلنتغافر ولنتسامَح ولنتصافيَ .. لنسعد ولا نتعس

 

        يقول تعالي منبّها لذلك وممتدحه : ” .. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ” ( آل عمران :

134 ) ، ويقول : ” وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ” ( النور : 22 ) والذي قال في تفسيره الإمام الماوردي في ” النكت والعيون ” : ” .. العفو ستر الذنب من غير مؤاخذة والصفح الإعفاء عن المكروه .. ” ، وقال فيه الإمام ابن كثير في تفسيره : ” .. فكما تغفر عن المذنب إليك نغفر لك وكما تصفح نصفح عنك .. ” ، خاصة وأنَّ البشر ليسوا ملائكة ، بل لكلّ ٍعيوبه من البيئة التي نشأ فيها والتي عليه أن يجتهد في علاجها تدريجيا حتي يكتمل فيسعد ، كما يُفهَم ضمنا من حديث الرسول (ص) : ” يُبصِر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسي الجذل أو الجذع في عينه ” ( رواه البخاري في الأدب المفرد ) ( والقذاة هي الوَسَخ ، والمراد العيب ، والجذع هو ساق النخلة والمراد الشيء الكبير )

 

       أي علينا أن ننشغل أولا بإصلاح عيوبنا قبل أن ننشغل بعيوب الآخرين ، وأن نتغافل عنها ما داموا يجتهدون في إصلاحها ، فهذه هي البداية الصحيحة ، فإذا ما انصلحنا تدريجيا ، أضفينا علي الغير انصلاحا تلقائيا بمُعايَشته ، فينصلح الجميع ويكتملون ويسعدون

 

       فكن أيها الداعي إلي الله والإسلام من أصحاب هذا الخُلق ، وأحسِن استخدامه ، وادع إليه وانشره ، وعاون وشجِّع مَنْ ليس فيه عليه … تسعد والذين حولك ، وتثابون في دنياكم وآخرتكم     

 

Share

التعليقات مغلقة.